رؤى وأفكار  
 

الموقع الرسمي لسماحة الشيخ احمد السليطي

    الاربعاء :  28/10/2009

 

العلاقة الوثيقة بين الدين والسياسة

للشيخ أحمد السليطي

 

 
 

     

إن فكرة فصل الدين عن السياسة بالمطلق هي فكرة غير صحيحة ولا تؤمن بها مدرسة أهل البيت عليهم السلام على الإطلاق ، إلا أن علماء هذه المدرسة يتفاوتون في حدود العلاقة بين الدين والسياسة ، مع أنهم يجمعون على أن السياسة في الإسلام ( وهي إدارة شؤون الناس في كل جوانب الحياة ) يجب أن تبتني على أساس شرعي صحيح وهذا ما يحدده الفقهاء المراجع حصرا لكونهم المتخصصين في استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها المقررة ، وعلى جميع السياسيين المسلمين كما هو حال التخصصات الأخرى أن يرجعوا إليهم لمعرفة رأي الشارع المقدس في طريقة عملهم وتعاملهم مع الناس ، وهذا لا يعني بالضرورة تدخل الفقيه في السياسة لأنه لا يقدم رأيا من بنات أفكاره ، وإنما بيان الجائز شرعا من غيره للسياسي ، فحاله في ذلك حال الطبيب مثلا عندما يسأل الفقيه عن جواز الإطلاع على عورة المريض أو إجراء عملية الإسقاط أو إعطاء دواء فيه كحول أو القيام بالتشريح أو غير ذلك من الأعمال التي يجب أن يتأكد من شرعيتها قبل القيام بها فما من واقعة إلا ولها حكم شرعي في الإسلام ولابد أن تخضع لأحد عناوين الحكم الشرعي الخمسة وهي ( الواجب ، المحرم ، المستحب ، المكروه والمباح ) فالإنسان يُسأل يوم القيامة عن كل عمل عمله في حياته صغيرا كان أم كبيرا .

وبناءا على ما تقدم يمكن أن نتصور تدخل الفقيه أو المبلغ في السياسة على ثلاثة أقسام  :

الأول : التدخل على مستوى التنظير المبني على الدليل الشرعي والتأصيل لقواعد العمل السياسي كما هو الحال في بقية التخصصات وبيان الجائز من غيره ، وعلى المستوى الأخلاقي من خلال تقديم النصح والمشورة والحث والتشجيع على بذل الوسع في تحصيل حقوق الناس ، وتحذير الناس من المفسدين وغير ذلك من وظائف الفقهاء والمبلغين ، وهذا ما يقوم به غالبية الفقهاء ورجال الدين على تفاوت فيما بينهم بحسب قدراتهم ومؤهلاتهم العلمية ومستوى المسؤولية التي يحملونها ، وهذا الدور لابد منه دون السعي للحصول على منصب رسمي أو وظيفة في الدولة للقيام به ، وإنما يقومون به بدافع المسؤولية الشرعية والأخلاقية فقط .

الثاني : في بعض الدول والتي يكون الإسلام فيها هو دين الأغلبية الساحقة كما هو الحال في العراق قد يتنكر بعض المسؤولين فيه عندما يصلون إلى مواقع المسؤولية لكثير من الثوابت والضوابط الشرعية في العمل السياسي ، ومن هنا يرى بعض رجال الدين أن التدخل للقيام بالوظائف المذكورة في القسم الأول من خلال الموقع الرسمي هو أقوى وأفضل لضمان التطبيق والتذكير للآخرين بالوظيفة الشرعية ، وسعي هؤلاء للحصول على الموقع الرسمي ينبغي أن يكون من هذا الباب أي للاستعانة به على تقوية الرأي لأن رأي الفقيه بطبيعة الحال غير ملزم بحسب القانون الوضعي لأي مسؤول وإنما هو مجرد نصيحة لعدم ترتب عقوبة قانونية على مخالفته ، وقد ينجح هؤلاء الفقهاء والمبلغون ومن خلال الخلفية الفكرية والأخلاقية وثقافتهم الشرعية التي يحملونها في هذا المجال وعلى الأقل من باب إكمال الحجة على الآخرين ، وهذا الدور لا يعني أننا نفضل دخول الفقيه في الجانب  التنفيذي المباشر ــ وهو القسم الثالث الذي سيأتي ــ بل ينبغي حصر دخول الفقيه أو المبلغ في الجانب الرقابي والتشريعي لكونه مكانا مناسبا لممارسة عمل الترشيد والتصويب والنصح والتقييم والتقويم وما إلى ذلك كما هو الحال في مجلس النواب ومجالس المحافظات ، فالمنصب هنا وسيلة لتحقيق هذا الهدف ليس إلا ، نعم بالتأكيد سيترتب على هذا المنصب امتيازات مالية وغيرها وهذا شيء طبيعي لكل من يعمل في الدولة ، ولكن لا ينبغي أن تكون مقصودة أصلا في سعي رجال الدين لأنها لا تنسجم مع توجهاتهم المفترضة عندما اختاروا لأنفسهم وظيفة التفقه والتبليغ .

الثالث : دخول الفقيه في الجانب التنفيذي والأعمال الإدارية وهذا ما يتحفظ عليه كثير من الفقهاء لكل من يرتدي الزي الروحاني أو يمارس العمل التبليغي ، ليس لأنه لا يصلح لذلك ولكن لإبعاده عن الآثار السلبية التي لا يمكن الفرار منها أبدا والتي تترتب على اعتقاد الناس بتقصير المسؤول تجاههم مهما قدم ، ولأن أي مسؤول لا يمكنه إرضاء جميع الناس مهما فعل ولو كانت بيده جميع الإمكانيات فما ظنك فيمن لايملك شيئا منها أو يملك القليل ، مضافا إلى المشكلة الكبرى وهي التنافس السياسي الذي يدفع الخصم السياسي في كثير من الحالات لتحريض الناس على من هو في السلطة وغير ذلك مما يؤدي إلى سقوط شخصية المسؤول في أعين الناس فإن كان فقهيا أو مبلغا سينعكس هذا الحال سلبا على شخصيته وسيفقد دوره الروحي والتبليغي لأنه يبتني غالبا على قوة الشخصية ومصداقيتها وثقة الناس بها .

ومن هنا فنحن لسنا غافلين عن الآثار السيئة لدخول الفقيه في السياسة بالمعنى الأخير ولكن ينبغي التفريق بين أن يكون السبب هو عدم الجواز الشرعي أو الجهل وعدم القدرة أو عدم الأمانة أو التواني والتسامح في أداء المسؤولية لأن دوافع المتشرع المتدين في ذلك يفترض أن تكون أقوى منها عند غيره وبين الخوف من سقوط الشخصية من أعين الناس وخسارة المقوم الأساسي في العمل الشرعي والتبليغي .

 

 

 

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لموقع سماحة الشيخ احمد السليطي ©

http://www.alsolaiti.com